lundi, février 26, 2007

مثل جملتك القصيرة


رشا الاطرش
هكذا ينسحب المهذّب. هكذا، يقرر أن ينام.
سماحة... «جو الجميل»، كما كنا نسميه، نحن «الجيل السفيري الجديد»، الذي كان جديداً، يوم عاد إلى الجريدة رئيساً للتحرير في العام .2001 غالباً ما ينبهر المرء بما هو أبعد من متناوله. لكن جوزف، كعادته، يبتدع للمفاهيم سياقات له وحده. فها أنت تنبهر بشكل يومي، بصحافي يصنّف الأول عربياً، وليس فقط لبنانياً. أيقونة، ولك أن تمازحها. أن تقول لها صباح الخير بشكل «عادي». مكتب تخرج منه مقالات تهز بلداً، تلهم قادة، وتملأ ملفات أرشيفية ـ فردية ومؤسساتية. هذا المكتب مفتوح لك، وللأكبر ومنك والأصغر. لفنجان قهوة تُروى معه طرفة، ولاستيضاح في الفلسفة والسياسة.
كان بعضنا يعرف «رئيس التحرير» من قبل، والبعض الآخر ما زال في مرحلة السّحر. سحر «أبو الزوز». يوسف (مع التشديد على ضم الياء)، إذ ثمة من حاول «تعريب» اسم الرجل الذي لا يليق به سوى اسم ذي رنّة عربية. «الأستاذ». هذه الكلمة لم نناده بها يوماً. هذه الكلمة لم يكن يحبّها. لعل جوزف هو الشخص الوحيد الذي يجعلك تشعر باللقب، وزناً، ولا تستعمله. إن «الأستاذ» الصامتة تعني أنك كل يوم تسجّل نفسك في مدرسته، ولا تريد أن تفوت لحظة سانحة من دون أن «تسرق» منه فكرة، وجهة نظر، محاججة، لمعة، وحتى نكتة.
جوزف.. لا أسمع الآن غير ضحكتك. كم كانت تشبهك، تماماً مثل جملتك القصيرة. جَهورية تطلقها على طريقة طفل نعبده. قهقهة شقاوة، لمارد يعمل في الطابق الرابع، «معك»، أنت الذي ما زلت تتلمس معاني السياسة والثقافة والإعلام وحتى العلاقات الإنسانية. أنت الذي تود لو تبقى أبداً تلميذاً شاطراً ما دمت تجلس مع جوزف.
المعلّم تلازمه طبائع الخجل. يترك باب التقرّب منه موارباً، وعليك أنت أن تقتحم عالم الرجل بمعرفتك. رغبة صعبة. ليس لأنه يضع بينه وبينك حواجز العمر والتجربة أو حتى اسمه الذي يبرق. فتلك بالنسبة إليه سواتر سرابية. يقنعك، ولا تقتنع، أنها موجودة في عينيك وحدك وأنه لا يرى لها في الواقع أساساً. صعبة رغبتك في أن تكون ظلّ جوزف، ولو لبرهة كل يوم، لأنك تخجل أكثر منه. فهو سماحة وأنت تريد أن تنهل من نبعه. هو سماحة. لكنك لن تسامح نفسك لو أنها ضيّعت عليك فرصة أن تجاوره. فتخطو، أول ما تخطو، باتجاهه، متأبطاً سؤالاً. ولا تلبث أن تتحول إلى نثرة من حديد تلتصق بالمغناطيس الأكبر ولا تريد أن تفكّ.
«أبو الزوز»... سؤال أخير: كيف نقول «على السطر» بعدما وضعت النقطة الأخيرة؟

جريدة السفير